في ” سراب ” حافظ خليفة : بوصلة التيه تصيب من حيث تخطئ
في المسرح

في ” سراب ” حافظ خليفة : بوصلة التيه تصيب من حيث تخطئ

أعجوبةُ الصّحراء أنَّها تجدب، وتقفر من النبت، وقد تموتُ أعواماً كثيرة، ولكنَّها لا تميت أهلها أبداً، مقولة لابراهيم الكوني تشبه كثيرا العوالم التي اشتغلت عليها فوزية…

بقلم admin8 دقائق قراءة

شارك المقالفيسبوكإكستلغرام

أعجوبةُ الصّحراء أنَّها تجدب، وتقفر من النبت، وقد تموتُ أعواماً كثيرة، ولكنَّها لا تميت أهلها أبداً، مقولة لابراهيم الكوني تشبه كثيرا العوالم التي اشتغلت عليها فوزية ضيف الله في كتابتها لنص “سراب”، فالصحراء عالم شاسع، لها حكاياتها واسرارها وعبر المسرح يمكن معرفة القليل من خباياها مع تكثيف سينوغرافي لتصبح الصحراء مساحة للحكي والنقد معا.

“سراب” عنوان العمل الجديد للمخرج حافظ خليفة، تجربة أخرى تحمل الصحراء الى الركح، عمل من تمثيل جميلة كامارا ونزهة حسني وخلود المونة وجلال الدين السعدي وكمال زهيو، اضاءة محمد رشاد بلحم وتصميم تقنيات نور الجلولي وموسيقى تصويرية كريم الثليبي وإنتاج شركة الضفتين للإنتاج الفني.

الهنّ ….وجيعة انثى واحدة والف وجه 

تتسارع الاحداث، تتصاعد وتيرة حركة الشخصيات منذ المشهد الأول والشخصيات تتشارك فكرة التيه، ثلاث نسوة هاربات الى المجهول، لكل واحدة حكايتها ولباسها ومجالها اللوني ولكنهن اشتركن في تيمة “الهروب” وهروبهنّ ليس النهاية بل البداية، فالصحراء مولد جديد ومن دخل الصحراء يولد من العدم ويشفى من ذكرياته السابقة.

تحضر الصحراء ليست فقط مكانا او فضاء جغرافيا للحكاية انما بعد فلسفي ووجودي، فالصحراء تعني الامتداد والحرية اللامتناهية وهو ما تبحث عنه الشخصيات الهاربة من جحيم القيد وسلاسل فكرية ومجتمعية وعقائدية تكبلهنّ منذ لحظة الولادة الأولى الى حين موت الجسد وتلاشيه.

في الصحراء وبين رمالها المنثورة ورياحها القوية اجتمعن، لكل حكايتها وطريقتها في التناص مع الوجع، اكبرهنّ واكثرهنّ شجاعة “ماتيا” (جميلة كامار) هاربة من الم الحرب، تركت خلفها بقايا الديار بعد ان اكلت الحرب وشبع الموت من دماء الاهل والأصدقاء، “ماتيا” صوت كل الهاربين من الحروب، صرخة ضد الموت ومحاولة للبحث عن الحياة “تعبت من الحرب نحب نعيش” كما تقول الشخصية، ماتيا صوت كل النساء الافريقيات الناجيات من الحرب والباحثات عن ملاذ للامل، يهربن من الخوف وصوت الرصاص الى المجهول، فالمجهول وظلمته اقل قسوة من حرب معلومة، أداء جميلة كامارا وصدقها في التناص مع الشخصية جعلها الأبرز والأكثر اختلافا على خشبة المسرح، الشخصية تماهت مع معنى الاسم “سيدة النساء” فكانت سيدة القصة والفضاء معا.

تهرب الثانية الى العشق، تبحث عن المحبوب، تحاول النجاة من قيود مجتمعية ترفض الحب، معتقدات تريد كتم صوت القلوب العاشقة باسم العادات والتقاليد، اسمها “سيليا” ومعنى الاسم الأرض الخضراء الواسعة، فهل يمكن ان تقيد هذه الأرض حتى تجف منابعها وتموت؟ الامر مستحيل، سيليا تعيش للحب وبالحب، فتهرب من المجتمع وقراراته وتذهب الى الصحراء علّها تجد المحبوب وتروي ظمئ القلب والروح.

الثالثة تختلف حكاياتها، امرأة واثقة من نفسها ومن ذكائها، “تانيري” اسم معناه الصحراء او الأرض الواسعة، من الاسم اخذت صفاتها، اختير للشخصية لباس بالوان ترابية يتماهى مع الاسم ومعناها، “تانيري” تلك الأرض الشاسعة لكن ترضى بالضيق ولا القيود فتهرب من عادات بالية، تهرب من موروث مجتمعي يرى في جسد الانثى عورة وجب ختانها، ختان الفتيات والنساء (ظاهرة موجودة في افريقيا وبعض الدول العربية) جريمة على الجسد تهرب منها تانيري لانها تقيم ذاتها من خلال افكارها وليس جسدها، “تانيري” شخصية بكل وجعها تشبه وجع النساء والفتيات في اغلب الدول العربية المجتمعات التي ترى في الانثى وعاء للشهوة، هذه الصورة ترفضها الشخصية تكسرها وتهرب منها باستعمال ذكائها ودراستها للطب لتكتب مستقبلا اخر وان كان بين رمال الصحراء.

ثلاثتهن يتشاركن معنى التيه والهروب، ثلاثتهن يبحثن عن النجاة ويحاولن الوصول الى الامل، تجمعهن الصدفة وتنشئ بينهن بعض الود الإنساني، يتشاركن الحديث والشجن والخوف والضحكة، هنّ نحن، هنّ كل النساء اللواتي تعبن من الاحمال الثقيلة ويبحثن عن ملاذ للراحة وان كان امتداد الصحراء وضبابتها.

اختارت كاتبة النص أسماء امازيغية لشخصياتها في سياق دفاعها عن هويتها، فالحضور الامازيغي جزء من تركيبة هذا المجتمع، الى الأصل تعود فوزية ضيف الله وتنتقي أسماء ذات دالات مميزة لتؤكد ان الكتابة فنّ واختيار الاسم في العمل المسرحي ليس اعتباطا بل وعي بقيمة ومعنى الاسم ومدى تأثيره على الشخصية وتأثره بالممثل.

ثلاثتهن كتبن سردية أخرى للهروب، تجمّلن بوجيعة كل النساء وتدثرن بسماء الامل علّهن ينقذن ما تبقى من إنسانية.

الصحراء مادة إبداعية تتجاوز حدود المكان 

المكان في المسرح لبنة من البنية الدرامية اما في “سراب” فيصبح الحكاية، الى عوالم الصحراء وتفاصيلها يحمل حافظ خليفة الجمهور، يكتب الصحراء ورمالها واساطيرها على الخشبة من خلال السينوغرافيا والألوان والموسيقى والحكاية أيضا.

في “سراب” تحضر الصحراء بكل مكوناتها، منذ البداية واثناء ضياع الشخصيات في الفضاء تنعكس بعض المفردات في الخلفية ليفهم الجمهور الكلمات المحلية المستعملة أحيانا في الحوار، فكاتبة النص ومخرجه ظلا أوفياء للهجة أبناء الصحراء، اللهجة البدوية الجنوبية المستعملة في المسرحية من نقاط قوة العمل ومميزاته، لهجة جد محلية لها موسيقاها على اذن المتلقي وتكسر التقليد المنمّط واللهجة الواحدة المستعملة في الاعمال التونسية من شمالها الى جنوبها.

الصحراء ليست مكانا بل فضاء ابداعي يشتغل عليه حافظ خليفة منذ سنوات، من “حس القطا” الى “صحاري الحب” على الخشبة ومهرجانات “المسرح والسينما في الصحراء” يكتب خليفة سردية تحول الصحراء الى مساحة إبداعية يقترب منها الجمهور ، يفهم حكاياتها ويتلمس جمالياتها وربما يصاب بسرابها ورمالها المنثورة أينما كانت الوجهة.

“سراب” اسم العمل، العنوان العتبة الأولى للدخول الى القصة، في العمل يصبح العنوان المفتاح لفهم بعض التفاصيل وطرح السؤال عن الشخصية الرابعة والخامسة، هل هما حقيقة ام خيال بفعل العطش الذي عاشته الشخصيات، في الصحراء وحسب كل الروايات القديمة المكتوبة عن عوالمها واهمها ما خطه إبراهيم الكوني يوجد في متاهات الفضاء منقذ وهو ما قدمته المسرحية عبر شخصيتي “مصباح” (خلال الدين السعدي) و”طاقع” (كمال زهيو)، الأول رجل مختص في تفكيك الألغام، يعرف الصحراء وخباياها ويجيد التحرك فيها، يلاحق أصحاب الرايات السود الذين اختطفوا ابنته، يبحث عن الحرية، اختصاصه في الألغام جعله شخص يبحث عن الحكايات، يحاول فهم الجميع ومعرفة اسرارهم للتعامل معهم، شخصية غامضة بزي الطوارق الذي تلبسه ولكنها تقرر الكشف عن هويتها اخر الحكاية حين عرف انّ الصحراء اكثر امتدادا من كل الحقائق التي يعرف.

اما “قاطع ” فهو نصف انسان ونصف حيوان، خبر الصحراء واصبح جزء من امتدادها، ابن رمالها وصديق رياحها، يشتم الخطوة ويميز بين الخيّر والشرير، شخصية لا انسية ولا جنية انما بينهما كما كتبتها الاساطير، الشخصية صامتة طيلة العرض، تتكلم اخره وكأنها صوت الصحراء، تصرخ بقوة ضد الجفاء والظلمة، شخصية تكتب مسارات محددة تمنح للفضاء قدسيته.

الصحراء في سراب ليست المكان بال الحكاية، تحضر برمالها ورياحها وعروقها واساطيرها لتكون بوابة للاكتشاف، تجربة إبداعية أخرى تحول الفضاء المكاني الى قصة، الصحراء عالم مغر يشتغل عليه حافظ خليفة في منجزه المسرحي و”سراب” لبنة أخرى من مجموعة الاعمال التي تناولت الصحراء مادة للفعل الإبداعي على غرار “كعب الغزال” اخراج علي اليحياوي و”ترياق” لمكرم سنهوري و”ترفاس” و”عروق الرمل” لحافظ زليط.

السينوغرافيا ترميز وكتابة أخرى للحكاية 

الصحراء بداية الحكاية ومنتهاها، من ينجو من الصحراء تعجز عنه كل القوى، الصحراء موطن للحكايات والاساطير، “عروق الرمل” ستكون الفضاء الجغرافي الذي اشتغل عليه مخرج مسرحية سراب، الى الصحراء ستهرب الشخصيات تبحث عن الملاذ ولكن الهروب لن يكون النهاية بل بداية متجددة، فكلما غاصت الاقدام في الرمال كان الشغف بالمواصلة يزداد.

اضاءة خافتة في اغلب المسرحية، اعتمدوا أساسا على أروقة صغيرة فضاء لعب للمثلين، انعكاس الضوء على الخلفية السوداء يعطي الوانا تميل اغلبها الى البني فالألوان الترابية سيدة الحكاية تماما جغرافيا المكان.

الإضاءة جزء من فعل ابداعي، تجربة تولد صور وجماليات مبهرة، في اغلب المشاهد تصبح الإضاءة وكأنها لوحة تشكيلية ابدع فنان في رسمها وتوزيع الوانها، الإضاءة في المسرح ليست ترفا وفي “سراب” نجح نور الجلولي في تحويل الإضاءة الى ابعاد جمالية اكثر عمقا من الإضاءة التقليدية من خلال القدرة على توظيف التقنيات الحديثة والمابينغ، اسقاطات بصرية زادت اللوحة بهاء، تنطلق اللعبة مع كتابة لأسماء بعض المفردات المستعملة في العمل وتمحى تدريجيا وكان الرمال تذروها، ثم في المشهد الأول نرى القمر يتحرك مع الشخصية وهي تناجيه، لم يكتفي باعكاسه الثابت بل اصبح متحركا وكانه يرافق الشخصية وينصت اليها ويتفاعل معها، طريقة رسم “عروق الرمل” والدقة في اختيار الزوايا.

واجمل المشاهد ذاك الذي يجسدونه في احد الكهوف، هناك حيث يتم السؤال عن الرسوم والنقوش المحفورة على الجدران، من خلال تقنية الفيديو والاسقاطات التقنية أعاد نور الجلولي ثقافة الانسان الأولى الحياة، تلك الرسوم قراءة أخرى لتاريخ هذه الأرض، دعوة لمزيد التمعن في كل نقيشة او خط تركه السابقون لانه توثيق يومي لقصصهم وتاريخه. 

فالإسقاط الضوئي في مسرحية سراب في ظاهره بسيط جدا و لكنه لم يكن مجرد زينة أو ديكور ، بل كان شريكا في الفعل ، يتفاعل حيا مع الفضاء والممثلين

“يبدأ العرض بنص يُكتب بالرمال فتمسحه الريح، لنشعر أن الكلمات وُلدت واندثرت في الصحراء. بدأنا هنا بـ « Décodage » للمعجم الصحراوي، ما يجعل المشاهد يقرأ ويشعر بالفضول،.

ثم تأتي رسوم كهوف طاسيلي في منطق الـ « Codage »، تتفكك رموزها أمامنا، لنعود مرة أخرى إلى الـ « Décodage »، حيث يفهم المشاهد رمزية الرسومات من خلال الحوار بين الشخصيات، ثم تتجمع من جديد لتخلق قداسة وتتفاعل مع أجساد الممثلين، في سراب كان الاسقاط الضوئي فعل تفاعلي، ذاكرة حية وليس خلفية صامتة” كما كتب مصمم الإضاءة والتقنيات نور الجلولي عن عمله.

بين الإضاءة والموسيقى تماه عجيب فكلتاهما تمثل شخصية إضافية في الفعل الإبداعي، موسيقى “سراب” أبدع في كتابتها كريم الثليبي فكانت النوتة صوتا للصحراء، تردد لصوت العشاق الحالمين بأمل اللقاء، سيرورة الزمن وحكايات تجاعيد كتبتها السنين على الملامح، كريم الثليبي التقط أصوات الطبيعة واهازيج النساء وحكايات البادية وحولها الى موسيقى تخاطب القلب وتثير في الانسان الرغبة في البحث عن ملامح ا

لجمال في حكايات النساء والصحراء.

Go to Top