“3نهج فلسطين fondu noire” لمروان الميساوي  شعارات الشباب المطموسة.. هل تعود الى الواجهة؟
في المسرح

“3نهج فلسطين fondu noire” لمروان الميساوي شعارات الشباب المطموسة.. هل تعود الى الواجهة؟

المسرح فعل تجريب وبحث في اركان الذاكرة، المسرح فعل ابداعي متمرد على الموجود وهو ما يقوم به مروان الميساوي في اعماله الإبداعية، يكتب عوالم مختلفة ويحاول…

بقلم admin7 دقائق قراءة

شارك المقالفيسبوكإكستلغرام

المسرح فعل تجريب وبحث في اركان الذاكرة، المسرح فعل ابداعي متمرد على الموجود وهو ما يقوم به مروان الميساوي في اعماله الإبداعية، يكتب عوالم مختلفة ويحاول إيصال رسائل وشيفرات الى الجمهور باختلاف أفكاره وممارساته الحياتية، اعماله تشبه الرجة علّ المتلقي يستفيق من سباته العقيم ومن منطلق السؤال كتب هيم المومني ومروان الميساوي نص مسرحية ” 3نهج ” فلسطين fondu noire” التي قدمت عرضها الأول ضمن “الخروج الى المسرح.

العمل من تمثيل محمد شعبان وعلي بن سعيد وهيثم المومني وسندرة فرحات وفاروق الزغلامي، تصميم الإضاءة صبري العتروس و تصميم الفيديو حمزة العبيدي ومساعد مخرج سلمى الفاطمي انتاج مسرح اوبرا تونس2026

 

طمست الشعارات؟ فهل تطمس معها الحقيقة؟

اضاءة خافتة اغلب العمل، أروقة صغيرة تسلط على الشخصية المتحدثة لتكون محور اهتمام المتلقي، لعب مخرج العمل على ثنائيتي الظلمة والضوء لينقل للجمهور دواخل شخصياته وحكاياتهم، ففي العتمة أحيانا تصبح الشخصية اكثر صدقا ووضوحا، شخصيات تائهة، مترددة، تدعي الثبات وهي اكثر هشاشة من القش، الموسيقى تشبه صرخة الخوف المتردد صداه في ذاكرة طفل خائف، هكذا تكون العوالم الأولى التي يحمل اليها مروان الميساوي جمهوره، واثناء متابعة العمل تطرح الأسئلة: هل نستسلم الى منطق التجاوز؟ هل نترك الذاكرة تتلاشى تدريجيا دون محاولة انقاذ القليل منها؟ هل ننسى التاريخ او نتناساه؟ وما الذي تخفيه الجدران المغلقة على نفسها؟ هكذا تطرح الأسئلة انطلاقا من اسم العمل ” 3نهج فلسطين”، عنوان لمكان؟ فما الذي يخفيه هذا المكان سؤال يحاول العمل الإجابة عنه دون تقديم إجابة كاملة ليتركوا للمتلقي الفرصة للبحث وطرح السؤال أيضا.

في “دبو” قديم متهالك تدور احداث القصة، شخصيات تجمعهم لعنة الحياة وصدفها في فضاء واحد، المكان الشاسع والعالي حسب السينوغرافيا سيكون مساحة للصراع بين الشخصيات ومعها تجسيد لصراعات كثيرة تدور خارج فضاء الخشبة، هم خمسة (اربع شخصيات تصنع الفعل والأخرى صامتة توثق عبر الكاميرا) لكل منهم حكاية اجتمعوا صدفة ليكونوا رجع صدى للخارج.

المسرحية تعيد طرح سؤال الذاكرة بأسلوب غير مباشر، من خلال شخصية “علي” المثقف الهامشي ، المعطل عن العمل الذي اضطر ليشتغل “دهان” جاء ليدهن الجدران باللون الأبيض الناصع فأصبحت اكثر سوادا لانه نفض عنها غبار النسيان وفتح بوابة السؤال على مصراعيها، يرفض “علي” طلاء الجدار قبل معرفة الحقيقة، ما الذي يخفيه ذاك الحائط تحديدا، للحائط اكثر من رمزية في العمل، الحائط هو القيد بين الناس، هو الزنزانة الضيقة والمظلمة، هو الفضاء الذي يفصل النار والجنة، الخير والشر، الحائط الذي قتل أحلام التلاميذ وقسم البلدان، كل هذه الرمزيات يختصرها “الحائط” المتداعي في العمل المسرحي.

بين “علي” الشخصية المسرحية وعلي بن سعيد الممثل الكثير من التشابه على مستوى الالتزام بالقضايا الكبرى والدفاع عن الذاكرة والهوية ومحاولة الانتصار للإنسان ورجع صدى التاريخ، شخصية “علي” المثقف صاحب النكتة، خفيف الظل، تجربة مختلفة للممثل خبر الخشبة واحبته وسبق ولعب شخصيات بمدارس نفسية وفكرية جد متناقضة لتكون “علي” اقربها الى المتلقي لانها تشاركه نفس السؤال.

الحائط في المسرحية يختصر الذاكرة ومنه تطرح الأسئلة عن الرسومات والغرافيتي الذي خطه الشباب بعيد الثورة على الجدران، ما كتبه “زواولة” و “فني رغما عني” وغيرهم من الشباب لإيصال احلامهم ورسائلهم، تلك الكتابات التي طمست كانت جزء من ذاكرة شباب الثورة التونسية، فالغرافيتي كان دستورا للشباب، على الحيوط وثقوا أهدافهم، قصصهم وشعارات “شغل، حرية، كرامة وطنية”، شعارات طمستها المنظومات الحاكمة، ونسيت الرسومات وعادت الجدران بيضاء ولكنها موثقة في الذاكرة ومن خلال السينما.

في المسرحية إحالة الى أهمية التوثيق، الكاميرا تحضر طيلة العرض هي الشاهد الحي على ما كتب، الحائط أحيانا تمرر فوقه كلمات مثل “ثورة مستمرة” ، الحائط في العمل هو الشاهد الصامت يعرف جيدا ما خطّ فوقه، يحتفظ بكل خط او كلمة، يتشرّب كل القصص والحكايات التي سمعها او وثقت على جسده وان تغير الطلاء يبقى الجدار شاهدا على الحكايات والاحلام ويظل السؤال الازلي لماذا يخافون مم كتب على الجدران؟ لماذا ترهب السلطة من شعارات شباب يحلم بالثورة وقيمها؟ وكما فعل غازي في المسرحية حين حاول تهميش وجود الحائط وطلائه كذلك فعلت السلطة حين اعادت بريق اللون الأبيض الى كل معالم القصبة والجدران المحيطة بها، ولكن الدم المتدفق من الذاكرة لا يموت ولا ينسى.

اليس من حقنا الحلم؟

تخيل أن تصبح كل الفضاءات المهملة فضاءات ثقافية ومساحات للحلم والابداع؟ ماذا لو نفض الغبار عن صمت المستودعات القديمة وتحولت الى بوابة للجمال؟ تخيل ان تتحول الجدران المظلمة الى مساحات للنور بفضل الفن؟كيف يمكن بعث الحياة في الخرابة وهل تتحول القمامة الى حديقة غناء؟ بعض هذه الأسئلة تسكن “مريم” الباحثة عن بعض ذكرياتها، تلك الصاخبة، الصارخة والحاملة لوجع جيل بأكمله عبر ذاكرة مثقلة بالحزن والضياع، مريم الشابة الحالمة بشراء المستودع وتحويله الى فضاء ثقافي، تحاول طيلة الحكاية تخيل المشهد، اين ستعلق لوحات الفن التشكيلي، لون الجدران في صبغتها الجديدة، أحاديث المبدعين في ذاك الركن، فضاء للقاء، للحب، للحياة والجمال.

حلم “مريم” الشخصية يشبه الكثير من أحلام الشباب خارج الخشبة، الكثير منهم حلم وبعضهم نجح في تحويل الخرابة الى فضاء ثقافي حيّ واخرين اعجزتهم البيروقراطية ولازالوا يصارعون لزرعوا ثقافة الحياة.

“مريم”  (سندرة فرحات) تحلم بالجمال مقابل القبح، تريد تحويل الخراب الى فضاء للحرية والجمال، تحاول تحقيق امنية طمسها الموت منذ أعوام، حلم والدها الفنان التشكيلي الذي خير الانتحار لعجزه عن مقاومة متطلبات الحياة، يرحل الفنان يأسا وخيبة لأنه عجز عن اقتناء لعبة جديدة لابنته، يترك خلفه الوان واعمال ولوحات تجسد بعض خفايا الحلم والامل.

 “الاب” الحاضر الغائب في القصة ينعكس على العديد من الفنانين في تونس، فكم من فنان مات ضيما لعجزه توفير لقمة او بعض حلم، وبين الشخصية المسرحية والشخصيات الحقيقية يمكن السؤال: اين قانون الفنان؟ ومتى ستضمن السلطة كرامة مبدعيها؟ وهل الفوضى في القوانين واخرها النص المشترك بين وزارتي الثقافة والمالية المحدد لقيمة كراء الاروقة والفضاءات الثقافية للمعارض التشكيلية، هذا القانون اثار غضب الفنانين التشكيليين واتهموا المسؤولين بمحاولة التضييق على الفن التشكيلي في بلد سوق الفن فيه شبه منعدمة يصبح كراء رواق ثقلا آخر؟ فهل ينصف الفنان؟ ام يترك لحسرته؟ سؤال في المسرحية ينعكس على الواقع، لان المسرح استنطاق للواقع ومحاولة جريئة لطرح شواغل الفنان وهواجسه.

 

جماليات حديثة لطرح سؤال قديم: اين نحن من تاريخنا؟

المسرح تجربة نقدية تحفز ملكة السؤال، “3نهج فلسطين: fondu noir” منذ العنوان يشرّع كاتب النص نوافذ الأسئلة، العنوان عتبة الحكاية، عنوان العمل يتكون من مترادفتين جزء باللغة العربية ويحيل الى تحديد جغرافي للمكان، والنصف الثاني بالفرنسية ويعني الصفة، فما الذي حدث في “3نهج فلسطين” ولماذا الخلفية السوداء؟ وبين الجغرافيا تتيه الأسئلة ومعها أجوبة معلقة منذ سنين.

“نهج فلسطين” تدور احداث القصة، حسب منطوق الشخصيات، في مستودع قديم يريد صاحبه بيعه والتخلص من كل ذكرياته المدفونة على جدرانه، اما الخلفية السوداء فتحيل الى التاريخ، الى قصص الألم الموثقة في قلب الجدار ذاك الشاهد على الحكايات، الجدار بمفهومه المادي والوجودي يدعوا الى البحث وهو ما فعله كاتب النص من خلال اسقاطات تاريخية وإنسانية على الفضاء الجغرافي.

“3نهج فلسطين” ليس بمكان ثابت بل فكرة تسكن الشخصيات، تجربة جديدة لمروان الميساوي واشتغالات سينوغرافية أخرى على الفضاء المسرحي، في العمل اشرف على صناعة الجماليات المبدع صبري العتروس، سيد السينوغرافيا والحامل لمشروع مختلف، العتروس المؤمن بقدرة اليات السينوغرافيا على مشاكسة ذهن المتفرج واخراجه من رتابة الخارج الى سحر المسرح.

 في العمل تتلاحم الفنون في حضورها، يوظف المخرج تقنيات الفن التشكيلي من خلال طريقة توزيع الألوان في الفضاء المتنقل واجساد الشخصيات كذلك، تحضر السينما رديفا أساسيا للفعل المسرحي، اشعال “التسجيل” الموجود في الكاميرا يرافق الشخصيات كلما تحدثت او خاطبت بعضها، في “المونولوج” يصبح الخطاب مسجلا والكاميرا وحاملها عنصرين حاضرين في كل المشاهد، فربما ما  ينساه الجسد البشري تحتفظ به الكاميرا لأجيال.

 وظفت تقنيات البث السينمائي في انعكاس الإضاءة على المحامل المتنقلة، مشاهد تستلهم جماليات السينما الوثائقية خاصة الأفلام المنجزة بعد الثورة والمتعلقة بفن الغرافيتي ومنها “نحن هنا” لعبد الله يحى و فيلم “انا فين” لمراد بالشيخ وغيرها من الأفلام التي وثقت احتجاجات الشباب على الجدران، هذه الحركية وظفها مروان الميساوي في عرض مسرحي جمّعت فيه الخشبة كل الفنون.

اعتمد صناع العمل على التقنيات الحديثة في “المابينغ” و تقنيات الواقع الافتراضي المعزز من تصميم حمزة العبيدي لايصال شيفرات جمالية مختلفة وتقديم فرجة بتقنيات حديثة تواكب العصر دون المساس من هوية أداء الممثل ومدى قدرة المسرح على الانفتاح على الفنون البصرية.

ليكون العمل تجربة إبداعية أخرى في رصيد فنان شاب يبحث عن مساراته الإبداعية ويجرّب ويجدد في الفرجة المقدمة، عمل مسرحي تتظافر فيه التقنيات الحديثة مع اليات المسرح الكلاسيكي لتقديم فعل مسرحي يسأل: هل لنا القدرة على الحفاظ عن ذاكرتنا، ام ان تاريخنا ينسى تدريجيا ويتلاشى الى جزئيات مثل تلك الجزئيات المكونة للصور المولّدة بالتقنيات الحديثة؟

Go to Top