“جرس” لعاصم بالتوهامي :  لكل عصر نوحه القادر على انقاذ البشرية من طوفان الخطيئة والقبح
عن الفن و أهله

“جرس” لعاصم بالتوهامي : لكل عصر نوحه القادر على انقاذ البشرية من طوفان الخطيئة والقبح

  دقّت نواقيس الخطر فانتبهوا لذواتكم؟ حاولوا مراجعة قيمكم ومبادئكم [...]

10 January 2026
1 دقائق

 

دقّت نواقيس الخطر فانتبهوا لذواتكم؟ حاولوا مراجعة قيمكم ومبادئكم وتصرفاتكم في عالم متغيّر، انصتوا لأصواتكم الداخلية ففيها النجاة من طوفان القبح، كونوا كما نوح وابنوا سفينة للنجاة من تشوّهاتكم واحملوا فيها من كل قيمة اثنين، احملوا معكم الثبات والصدق والأمانة والجدية ولا تنسوا المحبة، ارموها حيث شئتم ستزهر عالم أجمل، انتبهوا فوقت الحرية وجيز وحان ميعاد النهوض من ركام الخطيئة فليُقْرعْ كل “جرس”، وهو عنوان المسرحية الأخيرة للمخرج عاصم بالتوهامي.

“جرس” عمل يسائل الانسان ويستحثّه على مراجعة الذات والإصلاح، نص مشترك بين عاصم بالتوهامي ومحمد شوقي خوجة، أداء سنية زرق عيونه وعبد الكريم البناني ومروان الروين ورضا جاب الله، ساعد في الإخراج خليل بن حريز،تصميم الديكور إيهاب مندرة وصنعه ونفذه منير بن يوسف، شريط صوتي هاني بالحمادي وتصميم وتنفيذ الإضاءة كمال السحباني وتصميم الملابس مروى المنصوري وتوضيب صوت محمد الهادي التوتي توظيب انتاج رضوان بوليفة ومكلفة بالإنتاج فاتن الجوادي، المسرحية انتاج المسرح الوطني 2025.

 

 

بين الواقعية والرمزية تصنع عوالم متجددة أساسها السؤال

 

فضاء الحكاية ثابت، طاولة تتوسط المكان وكرسي واحد حذوها، هنا شخص واحد سيجلس ومن يجلس يفتح أبواب الذاكرة لتسائله عمّا فعل، أربع شخصيات تتحرك على الخشبة، ثلاثة رجال وامرأة، حركتهم في البداية تشبه رقصات الصوفيين، أيد مفتوحة وكأنها تحاول الطيران وأقدام تضرب الأرض بهدوء الحالمين، فالتصوف وموسيقاهم ستكون جزء من سردية موسيقية تعيشها الشخصيات.

المكان غير محدد المعالم باستثناء الطاولة الى أن تتحدث الشخصية النسائية “مرحبا بيكم، عجبتكم الدار” فالأحداث تدور مكانيا في منزل السيدة صاحبة دعوة العشاء، أما زمانيا فلا وجود لوقت محدد، ينطلق من الآن ويعود الى سنوات وقرون مضت حسب الحكاية وما تبوح به الشخصية، وأمام عذابات الذاكرة ولحظة تدفق الحقيقة لا قيمة للزمن.

الإضاءة المفتاح الأول لقراءة الحكاية وفهم طقوس المسرحية، الإضاءة تقسم الركح أربعة أروقة على عددهم، لكل شخصية رواقها الضوئي وهي تتحرك، وبمجرد أن تتحدث يسلط الضوء خافتا في شكل دائري لتصبح الشخصية المتكلّمة محور الانتباه، فالضوء عنصر أساسي وضروري لأنه يقوم بوظيفته بفضل ما يبذله العقل من جهد ولا يمكن تفسير الضوء تفسيرا منفردا علميا كان أم فنيا فالاثنان معا في آن واحد” كما يقول جلال جميل محمد  في كتابه “الضوء والظلام في العرض المسرحي” وعاصم بالتوهامي أتقن توظيف الإضاءة لتكشف خبايا ذاكرة كلّ شخصية، فكلما تحدثت الشخصية اكثر عن سوؤها تقلصت دائرة الضوء حتى تدخل الى عدمية الظلام، فلعبة الضوء والظلّ صنع منها المخرج مساحة للتفكير والسؤال عن مدى براءة احفاد قابيل من كلّ ظلمات البشرية.

“جرس” مسرحية تحثّ على السؤال، مغامرة مسرحية يخوض غمارها مخرج مفكر يقلقه السؤال ويميل الى مسرح يسائل ويبحث ولا يقدم الإجابات، مسرح يشعل دائرة الأسئلة اللامحدودة عن إنسانية الانسان، عن المبادئ والقيم والأفكار، عن الصراعات لأجل السلطة والسيطرة، أسئلة حينية تشبه توترات الواقع، فالمسرح الذي يمارسه عاصم بالتوهامي أساسه القلق والبحث، مسرح يخرج المتلقي من دائرة الراحة ويجبره على طرح الاسئلة والوقوف أمام مرآته ليسألها عن ذنوبه الفكرية أساسا، مسرح عاصم بالتوهامي ليس فضاء للسكينة بل مطية للقلق اللامتناهي.

 

“جرس” تجربة فنية وإنسانية تقارع الوجود وتضع إنسانية الانسان على محك السؤال، كتابة ثنائية مميزة تكشف مدى جدية عاصم بالتوهامي وشريكه في الجنون محمد شوقي خوجة لنحت ملامح الشخصيات بكل تلك الرمزية فالشخصيات في العمل لا يمثلون ذواتهم المحدودة بل هم سيرورة زمنية لكل البشرية، يجتمعون من أزمنة مختلفة في فضاء واحد ليشرّعوا أبواب الذاكرة أمام طوفان السؤال، يتعرّون من الخطيئة ويعبرون عن كل خطاياهم المتواصلة منذ بدء الخليقة الى اللحظة، فالكلّ متّهم حول طاولة العشاء الرمزية، هذه الشخصيات ابدع في التناص معها ممثلين مهرة يعرفون جيدا قيمة الكلمة والحركة على خشبة المسرح.

يحضر التكثيف في النصّ والشاعرية في ترتيب منطوق الشخصيات، اما بصريا فهناك تلاعب بالمتلقي عبر صور وسينوغرافيا تمزج الفن التشكيلي بالحركة المسرحية، في العمل تختلف الشخصيات الثلاثة المجتمعة حول طاولة العشاء في العمر والجنس واللباس ولكن تشترك في بعض الألوان داخل الأزياء، الرجلين كلاهما يلبس البنيّ الفاتح في الحذاء في إحالة الى علاقة الانسان بالأرض وخطواته الكثيرة وهو يعبث بهذا الكون، كما حضر اللون الزهري الفاتح في قميص الرجل الأكبر في العمر وجسّد في شكل ورود وزعت على ملابس الشخصية الأخرى، نفس هذا اللون وتلك الورود صنع منها فستان السيدة، فرغم الاختلافات هناك إشارات لوحدة الشخصيات في نقطة ما، واستعمال الورد ليس اعتباطا، فالوردة تبدو من الخارج منعشة وجميلة ولكن اشواكها وندوبها مزعجة، كذلك شخصيات المسرحية تبدو للوهلة الأولى مسالمة ولكنّها بمجرد نزع قناع الزيف سنجد أسوأ النماذج عن إنسانية مشوّهة.

 

الموسيقى صوت فرصة النجاة

 

كيف نتحرر؟ من ذواتنا؟ من ألمنا؟ من الذاكرة الفردية والجماعية؟ هل نتلاشى تماما ويبعث اناس اخرون يعمرون المكان؟ أم نقف على هاوية الحساب ونحاسب ما سبق منا من ظلم وخديعة “اش عملنا؟، قول اش ما عملناش؟” كما تتساءل الشخصية، فالشخصيات تجمعها الصدفة في مكان واحد “ريح قوية حملتي ووضعتني هنا” للعشاء، يبدو للوهلة الأولى لقاء عادي بين أصدقاء قدامى سيتشاركون متعة الاكل والشرب في عشاءهم وكلّ سيغادر الى بيته، ولكن مع تقدم الاحداث نكتشف ان العشاء هو الفرصة الأخيرة للنجاة، لم يكتمل اللقاء، فاغلب الحوارات مقطوعة تماما كالأحلام.

تصنع الموسيقى عوالم نفسية مميزة، هي البوابة الأولى لقراءة العمل المسرحي، الموسيقى جزء من هوية مخرج العمل، المنصت للموسيقى المرافقة للأحداث سيجزم انّ العمل تونسي افريقي.

 منذ العنوان كان للصوت تردّداته، “جرس” هو عتبة العمل، بصوت الجرس وموسيقاه حين يدقّ بقوة تبدئ الحكاية ومعه تنتهي وبينهما كلّما دقّ الجرس تغيرت سينوغرافيا الفضاء وحركة الممثل واشتغالاته، فالصوت في العمل سيكون الدليل للرحيل الى عوالم عاصم بالتوهامي مخرج العمل وشوقي خوجة رفيقه في الكتابة، الصوت دليل الروح ولحظة الإعلان عن نهاية الفساد وانطلاق الحساب بحثا عن نطفة صالحة قد تثمر أجيال جديدة أفضل وأكثر صدقا وتصالحا مع الذات والفكرة.

عاصم بالتوهامي مخرج مفكّر، يبحث عن الاختلاف، المسرح عنوانه للتفكير والتجريب والبحث، يؤمن ان المسرح هويته ومن ذاته حفر ليكون “جرس” بجمالية موسيقية، تنبش في الهوية الموسيقية للمجال الجغرافي الافريقي وتعيد طرحه مسرحيا على الركح، في أغلب المشاهد حين تتحرك أجساد الممثلين يفتحون أيديهم مع الحركة الدائرية للرأس وكأنهم يرقصون في “الحضرة” وصوت السناجق والبنادر مع بعض التعديل يسيطر على الإيقاع الموسيقي المطروح في العمل، في الحضرة تبدئ الأجساد بالرقص حد الاجهاد والتناص الكلي بين الروح وعوالم ايقاعية قوية نفس المسالة في المسرحية أجساد الممثلين تلفظ حقيقتها المخفية منذ بداية الإنسانية.

بين الحركة والايقاع تناص كلي، أجساد الممثلين تبدو وكأنها مبرمجة تقنيا، لكل حركة صوتها المتماهي مع ايقاعات السطنبالي الثائرة، غضب الايقاعات الافريقية يجده متفرجي المسرحية في حركات الممثلين المتسارعة وكأنها الإعلان عن بداية النهاية، نهاية البشرية وفناء مفردات مثل الخطيئة والفساد والزيف، ومحاولة لتأسيس منطقة أخرى للحرية اقل فسادا وضبابية، فجرس عودة الى الانا، بحث في داخلها عن مزاياها المخفية ومحاولة للحفر في القدرة البشرية على التغير والجرأة على طرح السؤال عن الخطيئة والحرية.

 

مفيدة خليل 

 

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.