“ضي” لكريم الشناوي: من ثنايا الظلمة يشعّ ضياء الامل وينبعث ضوء المحبة
عن الفن و أهله

“ضي” لكريم الشناوي: من ثنايا الظلمة يشعّ ضياء الامل وينبعث ضوء المحبة

اصنع أحلامك واحملها فوق يديك، انطلق الى ثنايا الامل وقاوم [...]

9 April 2026
0 دقائق
  • اصنع أحلامك واحملها فوق يديك، انطلق الى ثنايا الامل وقاوم لتجد طريقك، كن شمعة لا تنطفئ، أنر دروبك لوحدك واستند فقط الى رغبتك وإرادة النجاح التي لا تنكسر، الى كل الحالمين، الى المهمشين والمختلفين، الى صانعي الجمال وسارقي السعادة، الى المتلاعبين بالألم والساخرين من الهزيمة قدّم فيلم “ضي” سيناريو هيثم دبور وإخراج كريم الشناوي ليكون ملحمة سينمائية تدافع عن الإنسانية والامل.

“ضي” تجربة ثقافية وإنسانية سلّط الضوء على طفل امهق يصارع ليحقق حلمه، بطولة بدر محمد واسيل عمران وإسلام مبارك وحنين سعيد وضيوف شرف كل من احمد حلمي وعارفة عبد الرسول وصبري فواز ومحمد ممدوح، وعرض الفيلم ضمن فعاليات الدورة الخامسة عشرة للمهرجان الدولي لفيلم الشباب والطفولة بسوسة في اول عرض عالمي بتونس.

 

 

 افتحوا قلوبكم للأمل فلا هروب من الضياء

تصنع السينما عالما من الادهاش، يجتمع الابهار البصري مع شاعرية السيناريو في كتابة فيلم “ضي”، الفيلم الرحلة: رحلة في الجغرافيا والتاريخ والهوية الموسيقية لبلد عرف بثرائه وتنوّعه من جنوبه الى شماله، في الجنوب تحديدا النوبة  يولد النور المشعّ من خلال شخصية “ضي” وفي القاهرة يشعّ ضوء النجاح والامل وبينهما رحلة تكشف طيبة الناس وخبايا الاختلاف بين الطبقات الاجتماعية والفكرية، الفيلم كتابة أخرى عن الامل وسردية متجددة للإنسانية، تفاصيل عديدة تلتقطها الكاميرا طيلة العمل وتصنع منها لوحة فسيفسائية تمزج الضياء بالظلمة، وتعجن الدموع بالفرحة لخلق شخصية استثنائية تحمل في قلبها النور وهي تعيش اغلب حياتها في الظلمة.

ضي” اسم الفيلم وأسم الشخصية الرئيسية، ضي من الضياء المشع وهي ملامح الشخصية بسبب مرض نادر، مراهق أمهق يحلم بملامسة السماء من خلال صوته رغم رفض المجتمع وقسوته، “ضي” يخاف ضوء الشمس، يعيش في ظلمته وعزلته، الفيلم تجربة إنسانية تسلط الضوء على شرائح المجتمع وطبقاته وتبرز الإنسانية الساكنة في بعض التفاصيل فالتشوه ليس في ندوب الجسد بل ندوب الروح التي لا شفاء منها.

يدافع الفيلم عن معنى الامل عملا بمقولة يورغن مولتمان “دون امل تماما لا يمكن للمرء ان يعيش، العيش دون امل هو توقف عن الحياة” هذه الجملة عملت بها الانسة صابرين مدرسة الموسيقى، مشجعة “ضي” الأولى والمراهنة الدائمة على جمال صوته وقدرته على تجاوز الرقعة الجغرافية الضيقة الى فضاءات أرحب للحب، للفن، للأمل بفضل صوت البلبل الذي يملكه، تعاند المدرسة مديرها، تلاميذها وامّ الطفل الرافضة لخروجه من البيت.

“ضي” صوت قوي في جسد غير مرغوب فيه، طفل ولد مختلفا، في مجتمع أسمر اللون، أبناء الشمس، لهيبها يلفح الجلد وملح النيل يزيدها سمارا، “ضي” أكثر بياضا من ضوء الشمس يتعرض للتنمر من أترابه لاختلاف لونه، ينعتونه بالشبح، “ضي” من الضياء لكنه يخاف ضوء النهار، صديقته الظلمة وضوء القمر خليله في رحلة البحث عن أحلامه، “ضي” طفل يعاند القدر، يصارع الشمس ويتحدى خوف امه، وظلمة محيطه ليغنّي، صوت قوي وحلم بتجربة الغناء، يؤمن فقط بصوته.

تعيش الشخصية الكثير من الصراعات، أولها رفض المجموعة، وتضييق الأم “تعامل ابنها المراهق كأنه طفل”، ثم هروب الاب وبعدها الشمس وأشعتها عدوته الأولى منذ الولادة، “ضي” طفل يؤمن بقدسية الامل، يتبّع خطاه، شخصية مركبة وموجعة في الوقت ذاته أبدع بدر محمد في تقمصها، هدوءه الغريب امام الكاميرا أضاف الرهبة للمشاهد، وفي اغلبها يبدو بذاك اللباس الأبيض وكانه اخر القديسين على الأرض، يتسلّ بالحلم، لينجح رغم كل العراقيل في الوصول الى النجومية وإسماع صوته لكل أبناء بلده، “ضي” غنّى بوجع الطفولة المسروقة والم الاختلاف وامل النجاح ورفرف بصوته مثل حمامة السلام تناشد حرية لا نهاية لها.

محراب الإنسانية آمن فلا ترهبوه

ركز الفيلم على التفاصيل الإنسانية، اقترب كثيرا من مشاعر الشخصيات ومدى تقلبها ليشرك المتلقي في هذه الرحلة، صنّاع الحدث من الشخصيات لكل منهم تقاسيمه وعوالمه النفسية الدفينة، بعضها سينكشف اثناء الرحلة، وكأننا برحلة ضي من النوبة الى القاهرة تشبه رحلة بوح ستعيشها الشخصيات ومن خلالها يكتشف المتفرج شريحة من المجتمع بكل اختلافاته.

  الأم القوية تزيد الطفل خوفا، أحيانا تعامله كأنه محور الكون ومرات مثل الذنب الذي تحمله على عاتقها منذ ولادته، تبدو بملامح صارمة، قليلة الابتسام، قليلة الكلام وحازمة جدا في انتقاء تعابيرها، يضعفها فقط حزن ابنها أحيانا، هذه الام تحارب مجتمعا رفض اختلاف ابنها، وزوجا هجرها، تعيل أبنائها وتبدع في صناعة المنسوجات اليدوية ولكنها تبيعها بثمن بخس الى احد التجار وتتعرض الى الاستغلال المادي، تناقض   في المشاعر بين الخوف واللين تعيش معها الشخصية طيلة الرحلة ونجحت الممثلة اسلام مبارك في إيصال المتناقضات الى جمهور الفيلم.

الشخصية الأخرى مدرسة الموسيقى جسدتها الممثلة اسيل عمران، “صابرين”  شابة رقيقة وهادئة، مترددة أحيانا، تختار البعد عن قريتها في “المينيا” وتدرس في النوبة لتهرب من تنمّر العائلة الموسعة لتأخرها في الزواج، شابة مفعمة بالامل والاحلام تجدها تعاند منظومة مجتمعية تربط نجاح الانثى فقط بالزواج والانجاب.

 صابرين رغم قبح ما حولها تؤمن بالامل “قمت بالرحلة لاجل ضي، مازلت أؤمن بوجود الامل وإمكانية تحقق بعض الأشياء الجميلة وان كانت مستحيلة حسب الاخرين” وهو ما فعلته الأستاذة التي تحدت المجتمع وانطلقت بسيارتها الخاصة ليصل تلميذها الى أكبر المسابقات الغنائية..

الظلام نقيض الضياء، لا يمكن ان يجتمعا طبيعيا في فضاء واحد، لكن في السينما لا معنى لكلمة مستحيل، التجأوا الى الخيال والشاعرية المفرطة واختير اسم شقيقة ضي “ليل”، سمراء البشرة عكس شقيقها تماما، تعانده كثيرا وتعيش صراعات كثيرة بين حبّ فطري لاخيها وغيرة من تمييز الام بينهما، في الفيلم اجتمع الضو والظلمة ليشكلا ثنائيا جميلا ويقدم كاتب السيناريو لجمهور الفيلم رسالة أخرى للامل.

ثلاثتهنّ حالمات رغم القسوة، يعاندن الفرحة وثلاثتهنّ صنعن من ضيّ نجما، فالفيلم تكريم لكل النساء أيضا، كل امراة ظهرت في الفيلم كانت عنوانا للشجاعة والمحبة..

كثيرة هي الشخصيات التي ساعدت ضي او عرقلته اثناء رحلته، لكل شخصية تأثيرها في مسارات الحكاية، ولكن هناك شخصية ربما الأبرز والأكثر تاثيرا عاطفيا في المتلقي، سائق شاحنة المطافئ الذي تجاوز القانون بعد أن عرف قصة ضيّ تضامن معه وصدّقه واستغل الشاحنة الوظيفية لإيصاله الى محطة القطار، الشخصية التي تخفي ملامح الوجه فقط العينين تحكي اثناء الطريق عن وجع الاختلاف وألم الإحساس بالخوف، ليتضح انه مشوه الوجه، يخفي وجهه لانه تعرض للحرق صغيرا وبقيت الندوب علامة تنفّر منه الناس حتى نسي ملامحه.

 الممثل احمد حلمي لعب الدور بشاعرية مفرطة، حضور مقنع ورسالة أخرى تدافع عن المختلف، فالشخصية بعد نجاح ضي وغنائه قرر الاستغناء عن القناع وواجه الناس بوجهه المشوّه للمرة الأولى، وكأنّ الشخصية تصرخ عاليا واجهوا تشوّهاتكم فجميعنا مشوهين ومصابين بلوثة الاختلاف.

فيلم ضي مكتوب بحرفية وشاعرية، وظفوا اللغة والصورة جيدا لطرح العديد من القضايا التي تمس الانسان ودافع صناع العمل عن الفكرة الأبرز الامل.

موسيقى محمد منير هوية شعب

اذا حزنت غنّي، اذا فرحت غني، اذا شعرت أنك تائه في مكانك فارفع الصوت بالغناء، لا تخشى برودة المكان فهي تتبدد بالغناء أيضا، غني للخوف، للحياة غني فصوتك قيثارة وأغانيك كتابة أخرى لتاريخ المكان والانسان هكذا كانت الموسيقى في فيلم “ضي” بوّابة لاكتشاف جغرافيا الجنوب بسحره وتاريخه.

الموسيقى كتابة أخرى للسيناريو، على وقع أغاني الكينغ محمد منير تسير الشخصيات وتنحت مساراتها وافكارها، الأغاني المنبثقة من قلب النوبة والمعبرة على حكايات البسطاء واحلامهم، قصص الحب والشجاعة، تفاصيل قيمية تنبثق من الأغنية مثل شعاع الشمس الذي يبدد الظلمة والبرد.

  في الفيلم “ضي” يشبه للكثيرين، طفل ولد مختلفا، ككل طفل نوبي حلمه مقابلة الكينغ محمد منير او تقديم أغانيه، أغاني منير في الفيلم تشبه التمائم التي تعلقها الجدات لحماية الأطفال من العين الشريرة، أغانيه كما البلسم تستعملها النسوة لنسيان قسوة الواقع، لكل اغنية وقعها على الروح، لكلّ كلمة ولحن مساراتها داخل القلب.

 وفي الفيلم تحوّلت الأغاني الى شخصية أخرى، حلم الغناء لدى الطفل ضي وتقديمه لاغاني منير لأنها صوت لكل المصريين، صوتا للمهمشين، صدى للباحثين عن الحياة وسارقي الفرحة من غول الفقر والغلاء والخوف، أغاني منير ترياق للحياة عليها اعتمد الطفل ضي وبفضله نجح وأوصل الصوت الى الجمهور.

الموسيقى في الفيلم كانت سلاحا للدفاع عن المكان والهوية الموسيقية، النوبة منبع الحدث وموطن الشخصيتين ضي ومنير، قدمت النوبة فضاء للحضارة ولتلاحق الثقافات، هي  الممر الرئيسي بين ثقافات البحر الأبيض المتوسط وقلب افريقيا، في الفيلم منازل النوبة الملونة لم تكن الأبرز بقدر إبراز بساطة الناس واقبالهم على العمل وحبّهم للنيل، ودفاعهم عن موروثهم اليدوي، النوبة الحافلة بايقاعاتها، موسيقاها تشبه هسيس الليل ونغماته منها ولدت رغبة الطفل ضي في النجاح وانبثقت جملة الأم “غني نوبي”، جملة تختصر هوية بأكملها، فاللغة النوبية ليست للزينة بل وسيلة للدفاع عن جمالية الكلمة، واللحن والروح النوبية في الفن المصري عموما..

الفيلم رحلة في الجغرافيا، انطلقت من النوبة  بمنازلها الملونة ومراكبها الشراعية الصغيرة، الى اسوان  ومعابدها التاريخية الشامخة، والاقصر ودهشة مسارات المناطيد الهوائية، وصولا الى القاهرة، هذه الرحلة وثقت مشاهد مميزة أبدع المخرج في تمريرها الى الجمهور ليصبح الفيلم بمثابة الدليل السياحي والثقافي وتتجاوز الحكاية من مجرد قصة تروى امام الكاميرا الى استقطاب ذكيّ للجمهور لزيارة البلاد واكتشاف سحرها، فالسينما بوّابة أخرى للحياة كما اعتمدها

كريم الشناوي مخرج الفيلم ومدير التصوير عبد السلام موسى.

شارك هذا المقال

كاتب ومحرر

كاتب ومحرر في منصة لارتيستو للإعلام الثقافي البديل.