الدورة السادسة لتظاهرة circuit théâtre خارج الاسوار تكتب دساتير الابداع والابتكار فهل تنتبه لهم الدولة؟

طوبى لمن يصنعون البسمة على وجوه الأطفال، طوبى لمن يدافعون عن تأسيس فعل ثقافي بديل خارج الأسوار والمدن الكبرى وينتصرون عن مشاريع ثقافية تؤمن بحق أطفال الريف التونسي في الثقافة وتمنحهم الفرصة ليواكبوا العروض ويشاهدوا تجارب فنية مختلفة في مدرستهم، طوبى لمن يحاولون ان يكونوا صادقين ويكسروا جدران البيروقراطية والإدارة ويمدون أيديهم وأفكارهم الى أطفال مازالوا يتحسسون طريق الامل، ليكون المسلك المسرحي سبيلهم الأول ليعبروا الى طريق الجمال والابداع.
ليصبح circuit théâtre تظاهرة قارة تدافع عن لامركزية الثقافة وتجعل المسرح مادة للإبداع والحرية والفنون فضاء للقاء بين الأطفال الحالمين والمبدعين صنّاع الجمال، التظاهرة من انجاز مركز الفنون الرّكحية والدرامية سليانة بدعم من المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية ومندوبية التربية، والمكتبة المتنقلة 1و2 بسليانة وإدارة الموسيقى والرقص ودار الثقافة سليانة.
المهرجان رهان على الطفل الانسان
كبر الحلم وأصبح مشروعا متكامل العناصر، اتسعت التجربة وباتت مساحة حقيقية للقاء والحوار، تلك الفكرة البسيطة أصبحت بعد ستة أعوام مشروعا ثقافيا يدافع عن حق الطفل في ممارسة ثقافية ويمنح الجميع الحق في الثقافة فرجة وممارسة.
المسلك المسرحي ليس مجرد تظاهرة تقدم عروض ينجز فيها الفنان عرضه المسرحي ويغادر بعد انطفاء ضوء القاعة، التظاهرة تقدم في فضاء مختلف المدرسة موطن العلم والمعرفة تتحول يوم العرض .
الى مساحة للاحتفال
يتزين التلاميذ والإطار التربوي لاستقبال ضيوفهم، المصطبة والسبورة يصبحان جزءا من الديكور المسرحي، لقاء حقيقي يجمع الفنانين بالتلاميذ والاولياء بعيدا عن الرسميات.
المسلك الثقافي ليست تظاهرة بل تجربة يعيشها الطفل التلميذ والاطار التربوي، مساحة للحلم يكتبها الفنانين ويسعى صالح فالح مدير مركز الفنون الركحية والدرامية سليانة ورفاق المشروع الى تنفيذ التجربة.
التظاهرة تتوغل في أعماق الريف التونسي، تنصت لضحكات الأطفال واحلامهم، تخبرهم ان الحلم قائم رغم كل الظروف والصعوبات، تجربة circuit théâtre لا يمكن الكتابة عنها بمعزل عن اثرها المباشر على الأطفال، ذاك الشغف بين الطفل والفنانين الزوار، لحظة تعجز كل الكلمات عن وصفها، مشاعر مختلطة بين السؤال والرغبة في اكتشاف فضاءات جديدة، وكلما تغيرت المدرسة وتغير أسماء التلاميذ يظلّ المشترك واحدا: حاجة هؤلاء الأطفال الى الفنون وشغف لاكتشاف مساحات والوان إبداعية جديدة وذكاء في طرح السؤال، لتصبح التظاهرة بمثابة بذرة للحلم يغرسها صالح الفالح ورفاقه سنويا في ربوع سليانة.
اختيار المدارس لتكون فضاء لفعاليات المهرجان لم يكن وليد الصدفة او قلة الفضاءات، بل ايمانا من مركز الفنون الركحية انّ المدرسة مساحة للتجريب، هي المكان الأول الذي يتشكل فيه وعي الطفل ويتعلم فيه ابجديات المواطنة والحلم، وفي إطار التماهي بين التعليمي والثقافي اختيرت المدارس لتصبح مسرحا مفتوحا كيلة أيام التظاهرة، مع تقديم ورشات للإطار التربوي ليواصلوا زرع بذرة الفنون في أطفالهم بعد نهاية المهرجان.
و يمثّل الاهتمام بالطفل رهانًا ثقافيًا وتربويًا بعيد المدى، باعتباره طاقة الحاضر وأمل المستقبل، فتمكين الأطفال من حقهم في اكتشاف المسرح والفنون، وإتاحة الفرصة أمامهم للتفاعل مع التجارب الإبداعية، من شأنه أن يفتح أمامهم آفاقًا جديدة للتعبير والتخيّل، وأن يغرس فيهم قيم الخير والمحبة والجمال، ويعزز لديهم روح الحوار والتسامح والانفتاح، فطفل اليوم باني الوطن غدا.
المسرح في عمق الريف: ثماني مدارس تستفيد من المهرجان
بعد ستة أعوام أصبحت تظاهرة المسلك المسرحي الأبرز في الولاية، تظاهرة الأكثر طلبا من المدارس الابتدائية، كلّ يريد مدرسته بوابة للمسرح والفرجة والابداع، في 2026 تتوزع الدورة على سبع مدارس ابتدائية ومدرسة اعدادية.
تماهت معلقة الدورة السادسة مع الفضاء الجغرافي وسياسة المهرجان للتشجيع على الحلم، ألوان هادئة تشد انتباه الطفل، مزيج بين الأخضر لونا لجبال واشجار سليانة والبنيّ لون التراب والأرض والازرق متدرجا يشبه العيون المنتشرة في ربوع ولاية، هذا الفضاء اللوني الجغرافي رسم معه ثلاثة أطفال، اثنان يلعبان بالبالون وثالث يطير على طائرة ورقية، في إحالة مباشرة الى اللعب والحلم.
تنطلق فعاليات المهرجان يوم 19 أكتوبر في العاشرة صباحا من مدرسة الصاجين ويلتقي التلاميذ مع سامي دربز في عرض موسيقي يليه مسرحية “تيدينيت” اخراج حافظ خليفة، وتحتضن مدرسة الخزامى بقية الفعاليات وتقدم لأبنائها مسرحية “الغول” اخراج الطاهر رضواني.
يلتقي أطفال مدرسة الزياتين في اليوم الثاني للمهرجان 20 أكتوبر في العاشرة صباحا سامي بالطيب في ورشة تنشيطية ثم مع يسرى القصباوي ومسرحية “باب الحكايات”، وتتواصل فعاليات اليوم في مدرسة عين ام الاحبال ومن خلال عرض مسرحية “زهور السلام” اخراج ماهر التواتي وفؤاد القطاري ويسبق العرض المسرحي لقاء موسيقي عنوانه عودة عازف المزمار.
تتواصل فعاليات المهرجان في يومه الثالث، ينطلق البرنامج الصباحي من مدرسة سيدي عامر بعرض “ارض السر” اخراج فيصل بن محمود، وتحتضن مدرسة قصر الحديد فعاليات البرنامج المسائي بداية من الساعة الثالثة بعرض مسرحية “غابة الحكايات” اخراج ريان الحمزاوي.
تختتم فعاليات التظاهرة يوم 22اكتوبر، تنطلق البرمجة الصباحية في مدرسة بنورية مع عرض تنشيطي لجمعية الابتكار المسرحي بقعفور، يليه عرض “حلم روبوت” اخراج محمد صالح العوادي، وتستقبل المدرسة الإعدادية الاخوات اللقاء الختامي ويتمثل في ورشة يشرف عليها المركز الوطني لفن العرائس تؤمنها أمنة بن عيسى واخر عروض الدورة السادسة مسرحية “الكبوط” اخراج امير العيوني.
تقدم كل العروض في قاعات التدريس او الساحة، دون تقنيات الإضاءة مثل المسارح المغلقة ولكن العروض تمنح الطفل شيئا أجمل من التقنيات، تمنحه المساحة ليحلم وتشرع له نوافذ الامل على مصراعيها ليبقى المسرح ممارسة انسانية حلمة.
هل يصبح المسلك المسرحي مشروع دولة؟
يواصل مركز الفنون الركحية سليانة وشركائه في تنفيذ استراتجية افتكاك الحق في الثقافة والانفتاح على الفضاءات العمومية والشراكة بين المؤسسات الثقافية والتربوية لدعم الفعل الإبداعي المواطني وتقريب الفنون الى المجتمع وايصالها الى الجمهور أينما وجد.
المشروع لامس أكثر القرى بعدا عن مركز الولاية، عروض وورشات تدافع عن الثقافة، فالتجربة ذات ابعاد ثقافية واجتماعية وتربوية، أطفال الريف الأكثر حاجة الى الفنون في زمن التكنولوجيا والتلفاز، فالفنون الحياة تحفز الخيال وتساعد الطفل على الابداع.
مشروع circuit théâtre يجمع مندوبيتي التربية والثقافة، رهاناته مواطنية ووطنية يستحق الدعم الفعلي، التجربة يمكن أن تكون مشروع دولة لجدية أهدافها واثرها الإيجابي، منذ الدورة الأولى عام 2021 الى اليوم شرّكت التظاهرة 44 مدرسة ابتدائية اعدادية ومعهد ثانوي (الدورة الأولى 5مدارس، الدورة الثانية 9مدارس، الدورة الثالثة 8مدارس، الدورة الرابعة 6مدارس ومعهد ثانوي، الدورة الخامسة 8مدارس، ودورة 2026 لامست 8 مدارس) في خلق ثقافة بديلة تدافع عن حق الطفل التونسي في الثقافة فرجة وممارسة.
ينظم المهرجان من ميزانية المركز ودعم مندوبيتي التربية والثقافة، لكن هذا الدعم لا يكفي لتقديم منجز وطني بهذا الشكل، يستحق المهرجان ان يوضع على طاولة الدراسة والنقاش في صلب الوزارتين ويكون في قائمة التظاهرة التي تستحق دعما أكبر، تظاهرة بأبعاد وطنية، تحمل الثقافة من المركز الى أعماق الهامش، وتوصل الفعل المسرحي الى كلّ شبر من ولاية سليانة، تظاهرة بهذه الخصوصية لو توفرت لها سبل الدعم ومصادره لأصبحت مشروعا تدافع عليه الدولة في سياساتها الثقافية فهل ستراهن الدولة على المشروع؟
مشروع circuit théâtre ينظمه مركز الفنون الركحية والدرامية سليانة، رغم الضبابية القانونية للمراكز وغياب قانونها الأساسي مازال مركز سليانة يؤمن بمشروعه الثقافي ويحاول خلق البديل الإبداعي والانتصار لأحلام الأطفال وعدم حرمان المدارس الابتدائية من تظاهرة ولدت كبيرة ونجحت في خمسة دورات فقط لتكون الأفضل، واكثر التظاهرات الموجهة للطفل خصوصية وتميزا، أبناء مركز الفنون الركحية سليانة وشركائه يصنعون الامل ويحاولون اضاءة السبل المعتمة باسم الحق في الحلم عما بمقولة ما دمت احلم فأنا حيّ.


