العرض الأول مسرحية “الصباط” منير العرقي استنطاق للذاكرة ومحاولة كتابة أخرى عن الحرية

 

المسرح فعل نقدي يحفر في ذاكرة المجتمعات وتاريخ الدول، المسرح حركة نقدية تلامس العقل وتحفّزه على السؤال، الخشبة تستوعب كل الأفكار والتناقضات وتمنحها للمتفرج مادة للمتعة الذهنية والروحية، وبين دفتي السؤال والحرية وضع منير العرقي جمهور عمله الجديد “الصباط”.

تجربة إبداعية جديدة قدّم عرضها الأول في فضاء الحمراء، العمل اخراج منير العرقي، نص لصافية الطرابلسي عن مسرحية “تصبحين على خيريا امي” لمارشا نورمان، وتشارك الأداء كل من صافية الطرابلسي وامل بجاوي، اضاءة صبري عتروس وموسيقى وضاح العوني وفيديو يوسف بوعجاجة وكوريغرافيا قيس بولعراس وملابس جليلة المداني، انتاج شركة شركة فينيق طاهر ونبيل للإنتاج 2026.

 

في إعادة قراءة التاريخ، محاولة أخرى للفهم

 

تكتب أجساد الممثلين سردية أخرى للبلد، تنقل من خلال حركاتها المتسارعة في المشهد الأول ذاكرة جماعية وتطرح الأسئلة عن الحرية والدولة والفن والكرامة، لتصبح الخشبة فضاء للسؤال وتوجيه انظار الحضور الى جزء من التاريخ المعاصر لتونس.

“الصباط” اسم العمل، مفردة من اللهجة التونسية وتعني الحذاء، هذا الحذاء يحضر كشخصية ثالثة في المسرحية، يؤثر على الشخصيتين ويزرع فيهما الخوف، الصباط معرّفة بالألف واللّام او الحذاء يرمز الى المنظومة الابوية الظالمة والقاسية، الأب بمعناه البشري والسياسي، بين أب قاس ومنظومة حكم استبدادية تعيش شخصيات المسرحية، تحاول التحرر من الحذاء الجاثم على الذاكرة ولكن الخوف كان أكبر “ما تخلينيش مع صباطو وحدي”.

حددت المسرحية التوقيت الزمني لأحداثها، من التسعينات الى اليوم، الفترة عرفت الكثير من الاحداث السياسية في تونس وخارجها، جيل الثمانينات والتسعينات عاش الكثير من الألم والظلم السياسي، منظومة استبدادية زرعت الخوف في أبنائها، خوف كبر وكلما حاول الابن التمرد على الاب تعرض للتعذيب النفسي والجسدي، في المسرحية يقدم العرقي قراءة أخرى للتاريخ التونسي الحديث، يضع الجمهور امام فعل الصدمة، ويعيد له الكثير من الاحداث مترابطة لان ربما سقطت سهوا من كثرة الاحداث المتعاقبة على الانسان التونسي في الأعوام الأخيرة.

المسرح فعل سياسي بامتياز، وجهة نظر تخالف قوالب السلطة وشعاراتها، اختار المخرج شخصية ثائرة، ترفض المنظومة والخنوع لها، تونسية ترفض الخضوع وتؤمن بالثورة في مفهومها الكلي، تونسية تحب وطنها بأسلوبها، هذه المتمردة تعيش في بيت محافظ يخاف الثورة او حتى نطقها، امّ خانعة لمنظومة اجتماعية كبلتها، واب يشتغل في المنظومة “ولد السيستام” ويدافع عنه، بينهما تعيش الابنة حالة التمزق النفسي بين الحلم والواقع.

“امل” هو اسم الشخصية، اسم تمثله جدا، ينطبق عليها في طريقة التفكير، في ثورتها الذاتية على المنظومة رغم قسوتها، الأمل أيضا يتراجع أحيانا لكنه يشعّ مع الصباح من جديد، “أمل” الانسانة والصفة كلتاهما تحملان هالة من السؤال: عن جيل اليوم؟ كيف يتعامل مع فكرة الخروج الى الشارع للتظاهر؟ هل لازال أبناء الالفية الحالية يؤمنون بدور الشارع في التغيير؟ ام المنظومة تخيفهم واللامبالاة تطبع جيلا بأكمله؟ ايّ مصير لمن يحاول الدفاع عن حقه في وطن حرّ وآمن؟ بعض الأسئلة تحمل من الواقع الى الخشبة لتصبح بمثابة الاسفنجة تمتص كل شعارات الثورات وترجعها بقوة الزلزال الى الجمهور.

“الصباط” عمل مسرحي نقدي، يضع تونس وحركاتها وقضاياها على خشبة المسرح، يعيد الى الجمهور فترة زمنية مهمة ويسلّط عليها الضوء علّه يتعظ من أخطاء الماضي، المسرحية فعل صدامي مع الواقع، مباشراتية في نقد السلطة وكل الأنظمة الاستبدادية وانتصار للشارع والثورة وتأكيد انّ الثورة فعل مستمر، والمسرح حركة مقاومة منذ الازل الى اليوم، كل الصراعات بين الحرية والخوف وانطلاقا من نص أصلي للكاتبة مارشا نورمان كتبت صافية الطرابلسي نصا تونسيا يحرر الذكريات من عتمتها ويضعها مكشوفة على المسرح.

 

الهنّ…وجيعة فثورة وحرية

 

تخترق الموسيقى القلب مباشرة، تحفر بعيدا في الذاكرة المشتركة بين المتلقي والشخصية، في العمل شخصيتين نسائيتين، أم وابنتها، جيلين مختلفين، لكل واحدة أسلوبها في العيش، الام خانعة، متحمّلة، تعايش الألم والوجع وتمارس خضوعا مباشرا للسلطة المجتمعية والابوية والزوجية، المرة الوحيدة التي قررت فيها التمرد حين حاولت الانتحار، شخصية لعبتها صافية الطرابلسي، اكثر من حالة نفسية، انتقال من الفرح الى الألم في المشهد ذاته، قدرة على التماهي مع المشاعر المتناقضة والابعاد النفسية المختلفة لامرأة في الاربعينات، صافية الطرابلسي نجحت في إعطاء “مبروكة” البعض من روحها وتماه مع وجيعتها الصادقة.

الأمّ في العمل هي الصورة النمطية للمرأة في اغلب المجتمعات العربية، الانثى الخانعة والمقيدة بقيود الأب والزوج والمجتمع، سكاكين توضع على رقبتها فتذهب الى المذبح مبتسمة وجوابها جاهز “ناس بكري قالوا”.

اما الابنة فعكسها تماما، نجدها متمردة على المنظومة الابوية، رافضة لمنطق الخنوع، تحاول كتابة حكايتها وثورتها، الابنة تعاني الصراعات بين أفكارها ومنطق العائلة، تعايش موتا معنويا سبّبه لها الاب، الصراع دفعها الى التشظي النفسي، وفي الحكاية تسترجع قصتها، تحاول اشراك أمها في تفاصيل كانت منسية، شخصية مثقلة بالألم، تدعي القوة الظاهرية وداخلها كل صراعات الفناء، شخصية مربكة ومرتبكة نجحت امل البجاوي بملامحها الطفولية في تجسيدها وايصال وجعها الى جمهور مسرحية “الصباط”.

كلتا الشخصيتان عانتا من منظومة ابوية وسلطوية، طرح نفسي وبوح بما يؤرق القلب والعقل على الخشبة في إطار ما يسمى بمدرسة الواقعية النفسية، على الركح يضع مخرج العمل شخصياته، منهكة، متألمة تبوح بأسباب الوجيعة وتحاول عبر تقنية الفلاش باك الحديث عن أفعال تمارسها المنظومة لخلق أبناء متشظين نفسيا، يصارعون واقعهم، ويحاولون البقاء على قيد الحياة معنويا.

الشخصيات النسائية صانعة الحدث في المسرحية، هنّ الفاعل، والمفعول به في الوقت ذاته، يعتقدن انّهن تجاوزن السلطة الابوية بمحاولة الانتحار ليسقطن في خانة “الهروب” بسبب الاب الحاضر الغائب من خلال حذائه، العمل كتب بلغة موجعة جدا للمتلقي، الم الشخصيات نجحت الممثلات في ايصاله الى الجمهور عبر تقنيات فن الممثل بالإضافة الى الموسيقى والاضاءة اللتان كشفتا عوالم الوجع النفسي الموغلة في الظلمة.

 

 

تقنيات السينوغرافيا انعكاس لباطن الشخصيات ووجعها

 

الإضاءة في المسرح نص مكتوب بدقة عالية، في فضاء اضاءته خافته يضع مصمم الإضاءة الشخصيات، اضاءة تشبه برودة المكان، تتماهى مع رائحة الخوف المنتشرة في الفضاء، الإضاءة تمثيل الى اللون الأصفر وتعتم تدريجيا كلما حاولت الشخصيات البوح أكثر بوجيعتها، فالإضاءة في العمل انعكاس للداخل، ما تخفيه الشخصيات من الم نفسي وخوف وكره وكل المشاعر المتداخلة تنعكس الى المتفرج عبر الإضاءة.

اعتمد مخرج النص على ديكور قليل، طاولة وكرسيا وفانوسا صغيرا، يتغير استعمالهم حسب الحدث، فهم مرة مكتبا للتحقيق، ومرة فضاء تجتمع حوله العائلة الافتراضية، أحيانا تصبح الطاولة شاهدا تصعد فوقه الشخصية للتعبير عن ثورتها، وأحيانا تكون ذاك الجدار العازل بين نداءات الداخل وصوت النظام الاصمّ.

الطاولة سوداء اللون وانعكاس الإضاءة الخافت يحيل الى الطابع الجنائزي الذي تعيش فيه الشخصيات، فالعمل هو الساعات الأخيرة لحياة “أمل” التي تقرر الانتحار ولكنها ستجهز النهاية بطريقة جميلة، الطابع الجنائزي المخيم على الخشبة ينعكس مباشرة الى الجمهور، فالشخصيات تكسر الجدار الرابع أكثر من مرة وكأنها تخبر الحضور انهم جزء من اللعبة، ومتورطين في نفس القصة وليسوا مجرد متفرجين، ما تعيشه الشخصيات تتشاركه مع المتلقي، فجميعنا أبناء نفس القصة وكلنا نتشارك السؤال: هل ينتصر الامل؟ ام انّ الموت سيصبح سيد الحكاية؟

للموسيقى دورها في نحت مسارات نفسية للشخصيات المسرحية، موسيقى صممها المبدع وضاح العوني رافق من خلالها الشخصيات في اكتئابها، خوفها وثورتها، الموسيقى فعل ابداعي حساس جدا، اما يساعد الممثل او يتجاوزه لان للموسيقى تأثيرها الأبرز على المتلقي، في “صباط” واغلب الاعمال لوضاح العوني القدرة على قراءة الشخصيات وتحليلها وتحويلها الى نوتة تكتب لتكون صنوا للممثل، تدعم طاقته التمثيلية وتفيد العمل وتضيف له، في المسرحية الموسيقى ستكون الفاصلة او الرحلة النفسية التي تعيشها الشخصية، لكل حالة نفسية ومزاجية مناخاتها الموسيقية المصممة بحرفية عالية، للوجع نوتاته وللثورة موسيقاها، ومع كل لحن او إيقاع تنتبه الحواس اكثر.

في العمل وجه صناع التحية الى روح الفنان ياسر الجرادي، لتكون أغنية “شبيك نسيتيني” تعبيرة الشخصية عن الحرية، الاغنية التي رافقت جيلا بأكمله واعتبرها الكثير نشيدا للثورة والكرامة، تتفاعل معها الشخصية اثناء ثورتها على النظام والأب والخوف، ياسر الجرادي رحل جسده وبقيت اغانيه راسخة في ذاكرة محبي الحياة، ترك خلفه مسارا حالما وكلما احتاج المبدعون لأغنية او نوتة بسيطة تعبر عن أحلام شباب هذا الوطن وجدوا كلمات ياسر الجرادي ملاذهم.

تمّت

حُرّرت في تونس · نُشرت الجمعة 16 أكتوبر 2026

العرض التاليالدورة السادسة لتظاهرة circuit théâtre خارج الاسوار تكتب دساتير الابداع والابتكار فهل تنتبه لهم الدولة؟moufidaاقرأوا ←

Leave A Comment

Go to Top